عند منعطف الطريق
(ولا اللقاء سابق الوداع .. وكل فى فلكى يسبحون)
لمن يأتى بعدى ويقرأ هذه الكلمات، إننى ما تركت مالاً ولا جاهاً وكل ما تركت هى مؤلفاتى التى تبوح ببعض ما عانته نفسى فى حياة مضطربة وحنيناً لغد أفضل ربما لم أكن قد عشته ولكننى ما زلت أحلم به، ألا فلتعلموا أن هذه الفتاة هى وريثتى إن جاز لى استخدام هذه التعبير وهى الأمينة على مقتنياتى.
فى الثامن والعشرين من نوفمبر من العام الماضى .. تاريخ يستحيل محوه من مخيلتى، أبصرتها وقد جلست القرفصاء وسندت ظهرها لشجرة عالية فى أحد شوارع حى الزمالك الراقى العتيق حيث اعتدت التمشية كل صباح بجوار شاطئ النيل ألتمس أفكاراً جديدة أو ومضات من خيال تعيينى على الكتابة.
رأيتها وهى تمسك بيدها برتقالة وشرعت تقشرها بيديها وأسنانها فى شغف. لم تبد عليها ملامح الفقر أو العوز فقد كانت ترتدى فستان وردى اللون ذو ياقة كبيرة بيضاء تغطى نصفى كتفيها وحذاء أبيض أشبه ما يكون لراقصة باليه. كانت تبدو لى فى الثامنة أو التاسعة عشرة من عمرها لا أكثر. ورأيت شعرها الكستنائى الكثيف يتدلى لجانب وجهها يكاد يخفى ملامحها عن الغادى والرائح.
وقفت أمامها لبرهة أتطلع إليها دون أن أتحدث .. كنت أرتدى جاكتاً جلدياً بنياً اللون استعرته من صديقى وجارى الوحيد لأننى نسيت أن أخرج ملابسى الشتوية من الخزانة حتى اشتد البرد .. رفعت رأسها وقالت أجلس .. قلت أين قالت بجوارى هنا
أخذت مكانى إلى جوارها وقد جلست مثلها وأسندت ظهرى إلى الشجرة العالية ووضعت يدى أسفل ذقنى وأخذت أتطلع إلى النيل دون أن أحول نظرى إليها مطلقاً.
تذكرت أول مرة أفهم معنى سريان النيل عندما كنت فى العشرين من عمرى وهاأنذا وقد قاربت الخمسين وصرت مثله وحيداً أسير فى طريقى دون أنيس بعد أن طلقتنى زوجتى التى لم تتحمل جنونى وانشغال فكرى عنها وخلطى الواقع بالخيال فى حياتى اليومية التى تقتضى تعاليم معينة فى التعامل معها لا أجيدها ولا أهواها.. ولم أنجب .. ولم اسأل هل هو عيب فى أحد فينا أم هى تصاريف القدر التى ربما تكون قد رحمت أبنائى من أن يولدوا لأب مثلى. لا أدرى لم مرت هذه الأفكار ببالى فى هذه اللحظات رغم أننى أسير عبر هذا المكان يومياً فهل انشغلت بخطواتى ولم أملك لحظة سكون واحدة تعيدنى لنفسى أم أننى حين جلست هدأت روحى لكونها تستند لهذه الشجرة العالية واختلطت بكيان أكبر كالنيل الذى يسرى صامتاً أمامى .
لم أدر كم من الوقت مر حتى شرعت الفتاة الجالسة بجوارى فى الحديث
- قالت أنت الكاتب المشهور .. قد عرفتك منذ أن رأيتك
- قلت نعم أنا هو .. ولكن كيف؟ هل تقرئين لى؟
- طبعاً وهل يوجد من هو باحث عن الحرية والأمل ولا يقرأ لك؟
- أشكر لك هذا الإطراء وإن كنت أنا نفسى أعتبر ما أكتب أقل كثيراً مما أود كتابته
- لم تقول ذلك؟
- إننى طوال عمرى أتمنى أن أكتب شيئاً يفوق النص .. شيئاً يصل للقارئ دون تعقيدات أو اعتبارات للقوالب الشكلية التى يفرضها الطابع الأدبى .. وفى ذات الوقت يبعد عن العبثية فى الكتابة .. لكم وددت أن أقول للقارئ انهض وتحرر ويشعرها بروحه دون أن يقرأها بعينيه .. ولكن مهلاً .. مالك أنت وكل هذا الآن .. أخبرينى ما قصتك وما الذى جعلك تجلسين هكذا؟
- إنها قصة طويلة ولكن حتى أجعل من حكايتى قصيرة سأخبرك بأننى وحيدة فى هذه الدنيا
- ماذا تقصدين؟
- هل لديك مكان أرتاح فيه .. إننى من الأمس بالخارج وأشعر ببرد شديد
- قلت نعم .. هل تقبلين دعوتى لمنزلى المتواضع .. إننى أعيش وحيداً منذ عشر سنوات .. صحيح أنه منزل صغير ومتواضع لكنه مريح .. على الأقل بالنسبة لى
- خذنى إليه
نظرت إليها وقد انتابنى شعور بأننى مقبل على مجهول، كيف أدخل هذه الفتاة فى حياتى وأنا لم اعرفها إلا من دقائق قليلة … لكنى تنبهت لشيء آخر .. إنها ترتدى ملابس خفيفة والجو بارد .. فلأجنب أى فكر آخر حالياً وأتنبه إليها قليلاً. وبالفعل خلعت الجاكت الجلدى المستعار ووضعته حول كتفيها وقلت لها:
- هيا بنا .. إن سيارتى قريبة من حديقة الأسماك حيث أقف هناك يومياً
- ولكن البرد .. إنك ستمرض
- أولاً .. إن الجاكت ليس لى .. فقد استعرته وربما كانت الأقدار تخبئه لك .. وأما البرد فلن ينخر فى عظامى أكثر من خمسين عاماً مضت .. أما أنت فمازالت الحياة تتوالى بأيامها وسنينها عليك
وصلنا السيارة وجلست هى إلى جوارى وقد ضمت يديها معاً لتدفئ نفسها ولم تنبس بكلمة طوال مشوارنا حتى مدينة نصر حيث أسكن، ولم أحاول أنا أيضاً فتح أية حديث معها. وعندما وصلنا قلت لها اعذرينى فأنا أسكن فى الطابق الأخير بعداً عن ضوضاء الشارع.
كانت شقتى متواضعة .. بها أثاث من النوع الكلاسيكى .. وتمتلئ بالكتب فى شتى المجالات .. كانت مهندمة ومريحة .. وكانت تطل من ناحية غرف النوم على حديقة صغيرة ومن ناحية غرفة المعيشة على الشارع .. لم أكن أبداً أتركها على حال سىء لعلمى أنه لن يوضبها غيرى وهكذا استمرت أيامى.
ودخلنا شقتى فوجدتها تدلف إلى الأريكة بجوار الشرفة وتجلس عليها نفس جلستها كما وجدتها بالشارع كما لو كانت بطريقتها هذه تحاول جمع شتات جسدها الصغير بيديها.
لم أعلق وقلت لها محاولاً إزالة خوفها ولو قليلاً:
- إننى سأتجه لعملى الآن
- وأنا؟
- سترتاحين هنا حتى أعود
- أو تأمنى ؟
- قلت نعم .. فما أملك غير هذه المفروشات التى أمامك .. هل ستسرقين كرسى كى تجلسى به فى الشارع كما رأيتك؟ ضحكت هى وابتسمت أنا لها .. ثم أضفت:
- أعذرينى أننى نسيت إحضار طعام الإفطار لك .. لكنك ستجدين فى الثلاجة أطعمة كثيرة فخذى منها ما تشائين
- حاضر .. قالتها واتجهت ببصرها ناحية الشرفة
اتجهت لعملى وأنا محتار .. ما بال هذه الفتاة .. إنها فى سن الشباب .. سن الحرية والانطلاق .. فمالى أراها تتخذ من الصمت رفيقاً ومن الوحدة أنيساً .. وظللت أفكر بها طوال النهار وانصرفت مبكراً واشتريت بعض الأطعمة الجاهزة وتوجهت لبيتى.
ما أن فتحت الباب حتى وجدتها تجلس نفس جلستها وبجوارها كوب من الشاى وبقايا مقرمشات أجلبها من الحين للآخر لأفطر بها وبيدها المجموعة القصصية ليوسف إدريس (أرخص ليالى) فابتسمت وسألتها أتقرأين له؟
- قالت لا .. ولكن شدنى عنوان الكتاب وأنا للأسف لا أقرأ بل أقلب فى الصفحات على أجد ما يشير فعلاً إلى أرخص الليالى
- قلت ماذا تقصدين؟
- يبدو أن أرخص الليالى لم تكتب بعد .. لكنها تعاش فقط
- أحم .. يبدو أننى فى مواجهة إنسانة تهوى الفلسفة .. إذن لقد ربحت رهانى مع نفسى حولك
- ضحكت هى ضحكتها الرقيقة وقالت ما الذى أتيت به
- صحيح لقد نسيت .. لقد أحضرت لك بعض الطعام
- ولما لم تذكر ذلك منذ أن دخلت .. إننى أتضور جوعاً
- وضعت الطعام على الطاولة وأحضرت بعض الأطباق والملاعق والشوك من المطبخ وقلت لها بالهناء والشفاء
- ألن تأكل؟
- بلى .. ولكن سأغير ملابسى أولاً حتى أجلس براحتى … اعذرينى قليلاً
- توجهت للحمام واغتسلت وغيرت ملابسى ثم عدت إليها قائلاً .. ها .. الأكل لذيذ؟
- لم أذقه
- لم؟ .. ألست جائعة؟
- بلى ولكننى فضلت انتظارك .. فقد كرهت كثرة تناولى الطعام بمفردى دون أنيس مقرب
- إذن فلتأكلى .. وشكراً لك على ثقتك
- بل الشكر لك على استضافتك لى فى بيتك دون سابق معرفة بيننا
ظللت أختلس النظر لها من حين لآخر ونحن نأكل ولاحظت أنها تأكل ببطء دون طباع منفرة .. فأعجبنى منها ذلك
قامت هى أولاً وتوجهت لتغسل يديها وعند رجوعها نظرت إليها فوجدتها بنفس الزى الذى رأيتها به صباحاً. فسألتها بتلقائية .. كم مقاسك؟ .. ويبدو أنها فهمت مغزى سؤالى فلم ترد وأطرقت وجهها فى الأرض .. فاسترسلت قائلاً .. انتظرينى قليلاً .. ساعة وأعود .. دخلت غرفتى ثانية ولبست على عجل وخرجت لأبحث لها عما يليق. ولحسن الحظ وجدت بعض الفتيات ممن يماثلنها سناً وكسماً إلى حد ما ووجدت نفسى اسألهن دون خجل عن اسم محل قريب يشترين منه ملابس . وبالفعل توجهت جهة المكان الذى وصفنه لى وابتعت لها بعضاً من الثياب التى ظننت أنها مناسبة لها ولهذا الوقت من العام وعدت مسرعاً.
أعطيتها ما أحضرته وقلت لها .. هيا .. انطلقت هى إلى الغرفة الأخرى وأغلقت الباب وراءها وجلست أنا بغرفة المعيشة أنتظر .. وبعد عشر دقائق سمعت صوت باب الغرفة يفتح بهدوء فرفعت رأسى لأنظر فإذا بها تمشى على استحياء وقد ازدانت الملابس بها وسمعتها تقول شكراً لك .. شكراً لك من كل قلبى .. فرحت لفرحتها ولم أعلق على كلمات الشكر التى قالتها وكل ما ذكرته لها … هيا وضبى شعرك وملابسك.. صحيح أنك لن تجدى مكياجاً هنا ولكنك جميلة دون شىء .. سنخرج لنتعشى بالخارج ولتشترى ما يلزمك وبالمرة استمع إليك واعرف حكايتك إن كنت لا تمانعين.
ما أن أسندت ظهرها إلى الكرسى فى المطعم حتى انطلقت فى الكلام ..
- إننى فتاة ربيبة ملجأ .. توفى أبى وأمى فى حادث سيارة منذ كنت فى السادسة من عمرى وتنكر عمى لى ولست أعرف أقارب غيره .. بل أن كل ما أعرفه عن والدى هو صورتهما وهما يحملانى بينهما .. تلك الصورة التى نجت معى وأحمد الله على ذلك ومازلت أحملها أينما ذهبت واسم أبى فى بطاقة الهوية يجاور اسمى .. ندى أحمد صادق .. نشأت فى الملجأ حتى حصلت على الثانوية العامة وكانت تنشئتى بخير وصالحة لكون المشرفين يراعون الله فى عملهم وبعد ذلك وفروا لى مكاناً بالمدينة الجامعية بعد أن التحقت بكلية الآداب قسم اجتماع وقد أنهيت السنة الأولى العام الماضى. وفى الليلة السابقة لرؤيتك إياى كنت أمثل دوراً فى مسرحية هاملت حيث أننى مشتركة فى فرقة المسرح بالجامعة وأهواه جداً .. عندما انتهيت من المسرحية خرجت للشارع ولم تكن لى رغبة مطلقاً فى العودة للمدينة الجامعية .. فسرت من الجامعة حتى وصلت لهذا المكان وجلست فيه.
- ألم تخافى من أهل السوء؟
- بلى .. بالفعل مر على بعضهم ولكننى مثلت دور البلهاء التى لا يود أن يأويها أحد أو يصطحبها معه حتى انقضت الليلة على خير والحمد لله ووجدتنى أنت.
-
———————————————-
وجدتها تصرخ قائلة ابتعد عنى لن تسرق روحى … ابتعد
اقتربت منها وربت على كتفها وسألتها من الذى سيسرق روحك؟
أجابت فى براءة إنه الشيطان جاء سارقاً روحى
ضحكت وقلت لها هونى عليك يا صغيرتى فما كان الشيطان يوماً سارقاً للأرواح إنه أقل شأناً من ذلك، إنه لا يستطيع حتى سرقة روح صرصار .. إنه فقط يسرق الأجساد حين يغويها بالشهوات أما الروح فالذى يسرقها هو الإنسان نفسه حين يخلط بينها وبين النفس ويتناسى أن الروح هى ذلك الشيء الذى خلقه الله ليجعل منه إنساناً ويظل بها إنسان .. وكم من أناسى سرقوا أرواحهم بهذا الشكل وألقوا باللوم على الشيطان وهو منهم براء
كنت أدخن سيجارة فى شرفة المنزل حين شغلت ندى التليفزيون وأخذت تشاهد فيلماً قديماً .. اختلط صوت التليفزيون بدخان السجائر وخلقا لدى حالة غريبة من الشوق لأن أمسك قلمى وأكتب .. كانت هذه الحالة تذكرنى بحياتى .. مدخلات ومخرجات كثيرة مرت بى دون هضم .. أصوات وآراء وأشياء تدخل من أذنى لجسدى وتخرج من أنفى مثل دخان السجائر دون أن تمر على عقلى وتعبئه بشىء سوى بقايا سراب.
وفعلاً اتجهت لمكتبى وأمسكت بالقلم الرصاص وبعض الورق لأكتب .. كنت أفكر فى البحر وكيف يغسل همومه ويغتسل مع كل موجة تتكسر على الشاطىء وقلت يا ليتنى مثله .. وفكرت أن أكتب قصة شاب يعيش على جزيرة بمفرده على الفطرة كما يقولون وهو سعيد بذلك ويتخذ من الشمس والقمر والنجوم وحيوانات الجزيرة أصدقاء يتسامر معهم ويجدد حياته فى قربهم إلى أن يأتى للجزيرة غيره ليشاركوه فيها وتصورت فى بالى ما سيحدث له من تغيرات لشخصيته ومدى تجاوبه أو رفضه لوجودهم وتأثيرهم فى حياته .. وبدأت أكتب بعد أن اتخذت لها عنوان .. حياتى
كتبت بضعة صفحات .. وكنت منهمكاً فى الكتابة ولم ألحظ وقوفها بجانبى حتى نطقت :
- إننى أحبك .. وقد أحببتك من قبل من خلال كتابتك
لم أرفع عينى من على الورق بل شبكت يدى فوق صدرى بعد أن وضعت القلم جانباً وسكت قليلاً ثم اتجهت إليها قائلاً:
- إنك لم تحبينى بل أحببت ذلك الشعور بأنك فى سكن وتحت رعاية شخص ما
- ولكنك قلت مرة فيما كتبت أن الحب هو الاحتياج .. الاحتياج لمن يكملك ويجبر النواقص فى شخصيتك وأنا شعرت معك بذلك
- إنى لا أنكر ما قلته ولكن الحب أو كما أسميته الاحتياج لم يكن مثلاً أن أحب الممرضة التى داوتنى حين مرضت وشعرت بالحاجة للحنان ولم يكن مثلاً أن أحب زميلتى التى ابتسمت بصفاء حين عزت الابتسامة الصادقة فى حياتى .. إن الحب فكر وعاطفة تحت مظلة هذا الاحتياج .. الفكر بأن هذا الإنسان أو هذه الإنسانة من سيكمل جملتك التى تقولها وقد ينطقها كلها وأنت مازلت تفكر فيها .. الإحساس بما تعاني دون أن تبوح به .. الإحساس بخوفك وفرحك .. بمعنى دموعك .. بما تعنيه لمسة يديك ليديه. والعاطفة هى إحساسك بأنه الوحيد الذى يشعر بكل هذا ولا أحد سواه، ولم لا تذكرين قولى أن الحبيبين مثل آدم وحواء حين لم يكن هناك غيرهما على الأرض .. وهكذا الحبيبان .. يحوطهما ملايين البشر ويشعران أنهما آدم وحواء
إنك يا عزيزتى إنسانة رقيقة وقد جبلت على ذلك بمعنى .. إن الوردة رقيقة لأنها خلقت هكذا لا تدرى عراكاً ولا تعرف حقداً أو حسداً أو أياً من أطماع البشر .. وأنت أيضاً مثلها فى كونها تمتلئ بالأشواك .. هل لاحظت ذلك يوماً .. أن للورد أشواك؟ .. وأنت أشواكك تظهر فى انك متمردة .. لا تطيقين القيود .. تعاندين أول من تعاندين نفسك .. تتخبطين فى حياتك لأنك تكرهينها وتودين تغييرها ولا تستطيعين .. لم تحاولى مطلقاً أن تعلنى يوماً للسلام الداخلى بينك وبين نفس وبين روحك تتعاهدون فيه على السمع والطاعة تحقيقاً لراحة البال. لذا فأنت تحبين هذا أو تكرهين ذاك تبعاً للموقف ووفقاً للظرف ولما يرضاه هوى نفسك.. لأنك لا تتخذين منهجاً لحياتك ..
وأعود بك للحب مرة أخرى .. أترين .. إنه فى كل شيء حتى فى كلامنا عن الذات البشرية .. إنك حين تحبين وترضين إنساناً – هذا إن نزعنا نواقصه البشرية جانباً – فلابد أن ترضيه طوال العمر فى حلوه ومره فى قوته وضعفه فى سكونه وصراخه لا أن ترضى به ساعة وفى الأخرى تلفظينه ..
ولا تقتلى من تحبين بلفظ أحبك حين تنزعينه منه .. فالحب حين يكون صادقاً يكون لكل منكما حماية من السقوط وراحة من اللهث فى دروب الحياة دون هدف .. أما حين ينزع من طرف المحبوب فالشعور حينها قاتل وشديد الوطأة لأنك تقولين وقتها أنك لا تؤمنين به كاملاً، فمن يؤمن به إذن؟ أو أنك لا تؤمنين به طوال الوقت .. إذن فهو إنسان بحبك بعض الوقت فقط وباقى الوقت هو ميت .. هل تحبين أن تعيشى ميتة؟ أو منزوعة القلب أو العقل؟
وسأكون صادقاً معك حتى النهاية .. لا أنكر أننى نفسى قد تعلقت بك وأحببت عشرتك ووجودك ولكن المسئولية عندى أكبر من الحب ولا أرضى أن تقرنى حياتك بمن يكبرك بثلاثين عاماً على الأقل لمجرد أنك تتوسمين فيه خيراً، وهل علمت ما كان من حياته وهل قضاها بخير أم بسوء، إنك تحبين ما ترين ولكن ربما لا تحبين ما لم تعرفيه …
- أرجوك .. يكفينى ما أعرف .. بل وزيادة .. أعرف كيف تظلم نفسك ولا ترضاه لى أبداً .. قد آويتنى وكنت لى أباً وأخاً أكبر .. لم تهضمنى حقاً ولو على نفسك
- ندى .. لا داعى لهذا الكلام .. وأى إنسان كان سيسعد بأن تكونى له ردءاً فى الحياة
- ممكن نسكت عن الموضوع ده دلوقت .. انت بتكتب من بدرى ولازم تنام شوية علشان شغلك الصبح
قالت هذه الكلمات وطبعت على جبينى قبلة دون أن تنبس بكلمة وانصرفت كالطيف تاركة إياى بعيون واسعة تلاحقها وهى تغادر لغرفتها.
بكيت .. نعم بكيت .. وظللت بعدها جالساً وساكناً فى مكانى لا أبرحه لفترة طويلة حتى سمعت صوت أذان الفجر يأتى من المسجد القريب. قمت وتوضأت ورفعت وجهى لأنظر للمرآة الصغيرة فى الحمام فوجدت انعكاس وجهى عليها وعيونها تطل من عينى .. فزعت من ذلك الشعور .. إننى أعرفه جيداً .. إنه شعورى بأنها تعيش داخلى وأحملها بين جنبات ضلوعى. خرجت من الحمام مسرعاً وأخذت أتطلع حولى فى أرجاء الشقة وكأن هناك من أخشى ملاحقته لى وأخذت أسير جيئة وذهاباً ولا أدرى لى اتجاهاً ووجدتنى أصبو نحو غرفتها لأتطلع إليها وهى نائمة.
لم أفهم ذلك الهاتف الذى جاءنى يراودنى عن نفسى لأنظر إليها وهى نائمة .. كانت فى هذه اللحظة التى أراها فيها أنثى .. مجرد أنثى .. ما أسوأ ذلك الشعور الذى يقهر العقل وينتصر للغريزة .. يعود بى لأن أكون رجلاً .. هل الضعف أمام الجسد وغرائزه هو سمة الإنسان؟ قد قرأت عن أنبياء وصالحين كادت غرائزهم تودى برسالتهم لكن الله حماهم ولكننى لست من الصالحين .. إننى مجرد إنسان يكابد الدنيا وتكابده .. فإلى أين المسير الآن؟ قلتها لنفسى وخبطت رأسى بيدى على أفوق لنفسى واتجهت لغرفتى مسرعاً وارتديت ملابسى واتجهت لباب الشقة حتى ألحق بصلاة الفجر وعند خروجى من المنزل حسيت بطعم الراحة حين شممت الهواء النقى فى هذه الساعة المبكرة واتجهت للمسجد ووقفت بين يدى ربى أناجيه وأنا أًصلى قائلاً:
- ربى أنت القوى وأنا الضعيف .. ربى أنت القوى وأنا الضعيف .. فأفض على بعضاً من قوتك
—————————————————————————–
ذكريات نثرتها لى فى هذا الشهر الملعون الذى رايتها فيه تتمشى على شاطىء النيل هى وعشيقها . ولم تتماسك قواها عندما راتنى واعتذرت لى كالعادة بانه زميل جامعى يتمشى معها لحين تصل لمحطة المغادرة مع العلم بان ذلك اليوم لم يكن لديها اى محاضرات . واعتذرت لى لتخرج معه ما اكبر حزنى كلما تذكرت الكلمات البريئة التى كنت اخدش بها اذنيها الملعونة لقد نثرت عليا تلك الذكرى فى شهر نوفمبر ويا أسفى مما حدث وقتها