المنظر الثانى
حديقة مليئة بأشجار ست الحسن تتوسطها بركة مياه صغيرة وحولها بعض المقاعد الموزعة على شكل دائرة تحيط ببركة الماء
يجلس علي أسفل شجرة عالية باتجاه الماء وقد فرد ساقيه ناظراً إلى غير هدف .. وأخذ يتحدث مع نفسه: نعم، لم أعد أقوى على ذلك .. لم أعد اقوى .. إن روحى تنسحب منى ولا فكاك من أن أتبعها إلى عالم آخر .. إلى حياة ثانية .. إننى ما زلت أعامل الدنيا كما لو كنت لعبتى .. غير مدرك أننى أنا لعبتها .. تركت لى أوراق الفوز فى البداية حتى ألهو وسرعان ما استدرجتنى لتقصم رقبتى .. كالمقامر .. يكسب أولاً ما يلقيه إليه موزع الورق .. فقد جُرت قدميه .. وسرعان ما يدفع ما معه صاغراً سداداً لخسائره
وهاأنذا أدفع من عمرى أياماً لن تعود .. وليال سهرت كل دقيقة فيها أتمنى سعادتى .. ولو فى شكل نجمة أو شهاب عابر يذكرنى بها
هل هذا ما صنعته يدى .. أم صنعته هى بتركها لى هكذا؟
ثم يهدأ فجأة .. ويتحدث مع نفسه بصورة أقل حدة .. من الذى تلومه يا على؟ .. أتلومها؟ لم؟ .. كيف وقد أضحت هى ترياقك من مرضك؟
أتلومها وقد منحتك ما طلبته أنت؟ وبلسانك؟
أتلومها وقد كانت هى من تريد ولم تكن أكثر مما تريد؟
إننى أرتعش .. أرتعش بشدة ولا أريد أحداً أن يرى ما يمر بى
تعالى يا حنان .. أرجوك .. أمدينى بقوة لم أعهدها فى نفسى قبلك
أمدينى بوجودك يحينى .. ولو كرهتينى
أمدينى بلحظة صدق أكون فيها واحداً مع نفسى ولو تركتنى كل الدنيا
ثم يقوم من مكانه متجولاً فيما حول بركة الماء .. وقد أمسك ببعض الحصى الصغير .. يلقيه بها. وكلما ألقى بواحدة وصنعت دوامات بالماء .. قال
هذه طفولتى
وألقى الثانية .. وقال هذا شبابى
ثم الثالثة .. وهذا حظى من الزواج
ثم الرابعة .. وقال هذه لحنان وما أشعره معها
والخامسة .. أضرب بها خيالى يباعدنى عن واقعى
والسادسة .. هذه أكبر .. إنها … لحياتى .. متى تنقضى … متى تنقضى؟
هل هذا هو ما كنت أصبو إليه فى صغرى؟
هل هذا هو ما كنت أطمح إليه حين كنت طفلاً صغيراً كل حلمه أن يغدو فخر أبيه وأمه؟
هل هذا ما صنعه الزمن بى .. أجابهه بروحى ويجابهنى بسنينه وأيامه
أجابهه بكل ما أوتيت من قوة .. ويأبى هو إلا أن يرسم على وجهى بعلاماته وأخاديده ولا يترك لى من أسلحة إلا روحاً أخشى عليها أن تشيب كما شاب كل ما أملك .. حتى لم أعد ذلك الشاب الذى أراه طفلاً .. غضاً غريراً.. ويراه الجميع فى عيونهم كهلاً
إلى متى ألومها وأتناسى ما فعلت بنفسى .. إلى متى؟ وقد كانت كل الأسئلة منى .. وكل الأجوبة كذلك منى .. لم أنتظر أحداً ليرينى الطريق .. بل اتبعت طريقاً تناساه الكل فى مسلكهم للحياة .. طريقاً اعتقدت أننى تفردت به ليجعلنى مميزاً فى هذه الحياة .. فإذا به يجعلنى غريباً فى نفس الحياة .. طريقاً اعتقدت أننى به مثالياً فى تصرفاتى .. فلم أجد غير الشك والريبة تنهشنى فى نظرات من ينقد تصرفاتى
نعم .. ينظرون إليك مجنوناً يا على .. ويتوقعون ثمناً لكل ما تفعله .. وكأن لم يخلق من يعطى دون مقابل .. ومتى طلبت منهم ثمناً أو رداً لما أعطى … إننى لم أجبرهم قط على شىء ولم أطلب منهم شيئاً
رجوتهم الحسنى ورجونى البعد
رجوتهم الحنان ورجونى الصد
فمالى أراهم .. وسأظل أراهم فى جنان غيرى يحلقون .. وعن نارى يبتعدون .. ألهذه الدرجة لا أطاق؟ أجُردَت إنسانيتى من ضحكة أو كلمة مما أرى به غيرى متنعماً؟
متى تحلق طيورى فى جنتى أنا
إنها حنان .. اسماً على مسمى .. حين تشاء .. تسقينى ما تريد لحظة ما تريد .. هل تخاف أن أرتوى زيادة عن الحد؟ .. هل تخاف أن (أشرق) كما الأطفال حين يرضعون غذاء حياتهم عذباً من صدور أمهاتهم؟
ومالى أنا .. ما زلت أتوق إلى حيث لا أنتمى .. إنها ليست لى .. ولست لها .. إذن، لمن أنتمى؟
إنها لا تحبك .. ولكنك حبيبها .. أنها تستعذب حبك وتتذوقه حلواً ليس أكثر .. تتنعم به وتضن به على غيرها .. إن الشعور الذى تحسه معك يا على جديد عليها … لم تجربه من أحد غير أبويها .. ففرحت به فرحة الطفل يمتلك شيئاً جديداً فيتملكه بيديه وأسنانه وكل حواسه .. قد يلقيه .. وقد يجرى عليه .. لكنه يصرخ إن سلبه أحد منه
أرجوك يا على .. يكفينى ذلك منك .. يكفينى ذلك منك أنت يا على .. يكفينى أن أراك تدمرنى .. وتدمر نفسك .. يكفينى .. هل سأظل أرى خيالاتك تباعدنى عما أرى حقيقة .. تباعدنى .. حتى عنك .. من ستغرقه معى فى دواماتك الحمقاء؟ .. من ستجره للأسفل .. حيث لا هواء ولا نور .. حيث ظلمتك .. أرجوك .. ارحمنى .. أرحنى منك .. اهجرنى ودعنى أعيش بعقلى ولو أياماً أحس فيها كما باقى البنى آدميين .. كما يحسه أى إنسان خلقه الله على الأرض .. ما أنا بدعاً ولا غريباً .. ما أنا برسول أو نبى .. ما أنا بقارىء .. ما أنا بقارىء .. أود أن أظل فى جهلى متنعماً .. نعم .. إن المعرفة جحيم .. إن العلم بما أعانيه .. نار تأكل كبدى .. وتنشر الرعب فى جوانح روحى .. أرجوك أتركنى … أتركنى
دعنى أعيش ولو كنت حيواناً لا يدرك أو يفقه .. دعنى أعيش .. أرجوك
ويرجع لمقعده منهاراً .. يبكى .. ولكن دون دموع .. ما بال دموعه قد تحجرت؟ إنها ما يجعله إنساناً .. هل بدأ تحوله سريعاً هكذا؟ هل بدأت رحلة التحول إلى مجرد جماد .. لكيان آخر غير ما تمناه؟
ولكن هل سيصير هذا حالى؟ … هل هذه آخرة المطاف؟