مقدمة: الكلمات التالية ليست موجهة إلى شخص معين. إنما هي كلمات خرجت من وحدتي التي تنهش وجودي وتتجاذب مشاعري وأحلامي، ما بين أمل وألم، ما بين رغبة في القرب بجنون ومابين ميل إلى اللجوء إلى الداخل بجنون أكثر. وكأنما بداخلي شخصين يتصارعان.. أحدهما يتمنى أن يراه العالم ويعود إليه، وآخر يخاف هذا العالم بسبب ما رآه منه. واتمنى أن يجدني احدهم ويرسل لي.. يكلمنى.. يخاطبني ويقول.. أنا لك.. أو.. ابتعد.. فقط حتى آوي إلى الركن الذي يناسبني وأستقر.. القرب والسكن أو الوحدة والشجن
—–
إلى أبنائي
إلى أصدقائي
وإلى كل من تخلى عني
اكتب لكم عن: حين يكون تخلي الآخر سؤالًا وجوديًا لا شكوى، وحاجتي له مفارقة أخلاقية لا ضعفًا
في فلسفة التخلي وفكرة الاعتماد
لم يكن تخليك عنى صاخبًا، فلم تغلق الأبواب بعنف، بل انسحبت بهدوء أخطر وأعلى صوتًا من الضجيج، وكأن وجودي لم يكن ضرورة بالنسبة لك، بل احتمالًا فائضًا عن الحاجة
كنت أحتاجك، لا بوصف الحاجة استعطافًا، بل بوصفها اعترافًا إنسانيًا: أن بعض الأرواح لا تقوى وحدها في لحظات الانكسار
لكن الفلسفة قاسية في هذا الموضع، فهي تذكرني أن الحاجة لا تُلزم أحدًا أبداً بالبقاء
أعترف أنني احتجتك. لا كفكرة، ولا كاحتمال، بل كوجودٍ حقيقي أتشبث به كي لا أسقط. فقد كنت في لحظةٍ لا تصلح فيها الكبرياء، ولا تنفع فيها الحكمة التي نتباهى بها بعد النجاة
لقد تعلمت متأخرًا أن الآخر لا يتخلى لأننا لم نكن كافين، بل لأنه لم يعد قادرًا على حمل معنى وجودنا في حياته
فالانسحاب هنا ليس حكمًا منه علينا، بل إعلانًا صامتًا منه هو عن حدود طاقته، وحدود استيعابه، أو عن أنانية لا تعترف إلا بما يريحها
لكن، المفارقة المؤلمة أن الحاجة لا تُرى للناظر من الخارج، كما نعيشها نحن في الداخل
نحن نطلب دفئًا، وهم يرونه عبئًا
نمد لهم يدًا، فيحسبونها قيدًا
إن تخليك عني وأنا أحتاجك كان درسًا حول فكرة الاعتماد: بمعنى، أن تُدرك أن الاتكاء على إنسان لا يعني أنه سيختارك لحظة سقوطك، وأن الحب الذي لا يحتمل ضعفك ليس حبًا، بل إعجابًا مشروطًا بالقوة. فالشمس لن تتوقف عن جريها إلى مستقر لها ان هجرتها الأرض، ولن تسأم الأرض الدوران حول الشمس ان هرب من مجالها القمر
وحين بقيت وحدي، كجرم تائه في ظلمات الكون، فهمت أن أقسى أنواع التخلي ليس أن يذهب الآخر، بل أن يتركك في لحظة كنت فيها بحاجة إلى نور، إلى شاهد على ضعفك، على وجعك، على صبرك ومواجهتك للحياة.. ويشعر بك – وليس إلى بطل ينقذك مما يمر بك – فأنت حين تتعرى لا تنتظر منه أن يخلع ملابسه ويعطيك إياها بل تحتاجه لأن يسترك. وحين تخطئ لا تطالبه أن يعالج أخطائك أو يمحوها، بل لأن يعينك على تحمل عواقبها. وحين تمرض وترقد لا تطلب منه أن يكون طبيباً أو مسعفا، أبدًا، بل تحتاجه جالسا إلى جوارك.. فقط إلى جوارك
وانا فعلا لم أطلب الكثير. لم أطلب منك أن تُنقذني، ولا أن تبقى للأبد، كل ما أردته ألا أكون وحدي في اللحظة التي كنت فيها أضعف ما أكون. وربما كان ذلك جل ما تمنيته، أن يراني أحدهم كما لو كنت مثل ذرات متفككة تحت ميكروسكوب، كل واحدة منها تناطح الحياة، وليس ككيان أكبر قادر على صد أوجاع هذه الحياة. فالبحر لا يحتاج المطر، بل تحتاجه الأرض الجدباء
ومنذ ذلك الحين، لم أعد أسأل: لماذا تخلى؟
بل أسأل نفسي السؤال الأصدق: لماذا راهنت بكل ضعفي على من لا يرى في ضعفي هذا سببًا للبقاء؟
والآن، وأنا على مشارف بداية عامي الثالث والخمسين، أقولها لكل من مروا بحياتي – الذين كنت لهم، ولم يكونوا لي: إننى لم أكرهكم.. ولا أستطيع، ففلسفة التخلي وفكرة الاعتماد لا تسمح بهذه الكراهية السهلة، لكني نزعت عنكم قدسيتكم … وأنزلتكم من مقام “المنقذ” إلى حقيقة .. الإنسان القادر على التخلي والرحيل



