
كتبت هذه الكلمات منذ سنوات.. وأعيد نشرها (مع بعض التعديلات). . لأن.. بعض الأشياء لا تتغير
نفسى أفضفض شوية حتى لو لم يقرأنى أحد
حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة
الآية دى غريبة جداً .. تظهر غربتها فى أن الله لحكمة يعلمها قد أجل سن الشدة والرشد للأربعين وليس قبل ذلك .. ونرى عجائب الرقم أربعين فى أشياء كثيرة
فما من نبى إلا وأوحى إليه فى الأربعين
وميقات الله مع موسى عليه السلام كان أربعين يوماً
وتاه اليهود فى سيناء أربعين سنة
ونقول ذكرى الأربعين للمتوفى
ويقال ان نفخ الروح في آدم كانت بعد خلقه بأربعين يوماً
وغيرها
وهاأنذا الآن وقد تخطيت الأربعين بسنوات قليلة.. صحيح أننى لم أبلغها بعمرى ولا بجسدى فحسب بل وصلتها وتخطيتها بمراحل بروحى حتى قبل أن أصلها
ما دعانى لقول هذه المقدمة هى كلمات وصفت بها منذ فترة بأننى قد أدرت ظهرى للدنيا. ياله من وصف .. كنت أعلمه وأقره فى نفسى
وصف رجعت به للخلف أنظر لنفسى وحياتى .. وقلت .. هل أدرت ظهرى للدنيا ترفعاً وزهداً أم من قلة حيلة .. هل أنا من أدرت ظهرى لها أم هى التى أدارت ظهرها لى
لم أجد فيما علمت من حياتى رغبة فى المحرمات .. من خمر وغيرها .. بل أنها لم تخطر على بالى أصلاً، ولم تتعد أن تكون بالنسبة لى شيئاً من الغيبيات التى لا أدركها ولا أنتظرها. كنت كلما مررت بمحل يبيع الخمر ضحكت وقلت لنفسى (إنها ليست لى) .. وكلما مرت بى فتاة جميلة وتاقت عينى للنظر إليها قلت (وكأنها لم تمر) وسرت فى طريقى ولم أعلم فى نفسى زائراً لمحلات المجون.. وليس بفضل من نفسى أبداً بل رحمة من الله أحبها كثيراً وأتمنى أن تدوم ولا أفتن بعدها.. وكأن الله من رحمته يقول لى ما لم أقدره لك فلن يكون ملكك فلا تطغى
ظللت طول عمرى ومثلى الأعلى إبراهيم عليه السلام .. حينما قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين .. والذى أعمل عقله وصولاً لله دون انتظار داع أو هاتف أبداً
ولكننى منذ أعوام مضت أرى تمرد الجسد على الروح .. حتى بات فى أوجه هذا العام .. حاولت ترويضه .. وأسمعه يقول لى .. إنك لن تستطيع معى صبراً .. وكانت الحرب تقودنى لأن أرى فى مثلى الثانى الاسكندر الأكبر أملاً (ويا لها من سخرية).. فقد حارب وانتصر .. ظل يظهر الأمل ويبطن اليأس .. حتى أتته لحظة صدق مع النفس وهو على فراش الموت شاباً فقال .. حين أدرك أنه انتصر على العالم كله ولم ينتصر على نفسه .. (من الذى عليه الدور ليسقط؟) .. لم أتحدث كثيراً عن نفسى .. بل لم أتحدث مطلقاً عن حقيقتها وما تمر به .. وتركت لأفعالى الإبلاغ عنى .. وصرت غريباً كأبى ذر الغفارى حين قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يعيش غريباً ويموت غريباً. صرت غريباً حين أرانى لست الأقرب لمن أحب أو أنهم لا يستسيغون وجودى لكونهم لا ينتمون لعالمى .. وكرهت أن أكون فى المرتبة الثانية
ظننت نفسى كثيراً مصاباً بالفصام .. أجن أحياناً وأحن أخرى .. أقترب من روحى ثم أنبذها .. أنكر جسدى ثم أحبه ولم أعد أدرى هل كل البشر هكذا أم أننى فعلاً مريض
إننى أمر بعام يمثل الحد الفاصل بين ما مضى وما هو آت .. بين روح وجسد … عام كتبت فيه كثيراً ونضجت فيه كثيراً، عام شهدت فيه روحى تصف ما يجول بحياة غيرى وإن لم أرهم وتخبر البعيد بحاله كما لو كان قريباً .. بل وأحياناً أشعر بما يعانون ولا أدرى هل هى نعمة أم ابتلاء .. كل ما أعرفه أننى أدعو الله أن يخفف عنى من وطأتها حتى أستمر فى الحياة ما قدر لى
وعلى الجانب الآخر وحين ظهر الشيب فى رأسى وملامحى متمردة على فتوة جسدى، أظهر الأخير بدوره الحقد ليثور منتقماً من روحى ما بين الحين والآخر، يدمر نفسه ما بين إجهاد وعدم راحة .. تدخين كثير وفكر أكثر، إنه يقربها من الموت لتفارقه وإن كان الثمن حياته
ولكن هل ستمضى الأيام رتيبة هكذا، تأخذ أكثر مما تعطى، لا أعلم .. إننى أحتضن الأمل بين جوانحى رطباً ندياً كيوم ولدت .. لكن يدى تخور قواها بين الحين والآخر، وأحاول أن أبقيها تقبض على الأمل ما استطعت .. ما تمكنت .. لكننى لم أعد قادراً على أن أمسك به وحدى
وما زلت أتسائل هل أنا من أدرت ظهرى للدنيا أم هى التى أدارت ظهرها لى
ربما .. ربما يأتى يوم أغاث فيه وأعصر ما اختزنته من حب وحنين وتوق للحياة بالحسنى، وحينها أرى وجهى الحقيقى
و … مازالت الأيام تمضى