• الحامل زهوره إلى لا أحد

    كان يعبر الطرقات كل صباحٍ بباقةٍ صغيرة من الزهور البيضاء، كأنها قلبه مكشوف بين أصابعه. عرفه الناس باسمٍ غريب: الحامل زُهوره إلى لا أحد – لأنه لم يُرَ يومًا يقدّمها لأحد، ولا شوهد يبتسم وهو يحملها، كأنها كانت مهمة يؤديها دون أن يعرف الناس لماذا

    كان يشتري الزهور من بائعةٍ عجوز عند طرف السوق، تدعو له بالسعادة كل مرة – لكنه لا يجيب. يكتفي بنظرة قصيرة للسماء ثم يمضي. كل يومٍ يسلك نفس الطريق، يسمح للرياح أن تعبث بالبتلات، وللشمس أن تسرق من البياض اشراقتها قليلاً، ثم حين يصل إلى الجسر القديم، يقف هناك طويلاً – متأملا – قبل أن يترك الزهور تنساب من يده إلى الماء

    لم يكن يرميها… بل كان يحررها
    كأنها رسائل تبحث عمن يقرأها

    في مساء يومٍ رمادي، اقترب منه طفلٌ صغير وسأله ببراءة: لماذا تحملها.. ولماذا تلقيها دائمًا في النهر؟

    نظر الرجل إلى الماء الذي يأخذ جزءًا من روحه كل يوم، وقال بصوتٍ خافت: لأن من كنتُ أحملها له… لم يعد يحملها منى … وألقيها إلى ذلك الظلٍّ الذى مازال يرافقنى… وإن كان غائبًا

    صمت الطفل، أما الرجل فابتسم بحزنٍ لطيف، وأضاف: لكني أظن أنها تصل. كل زهرة تجد طريقها… حتى لو لم نعرف كيف

    وفي ذلك المساء، حين انحنى ليطلق زُهوره للتيار، هبّت نسمةٌ خفيفة، جعلت البتلات تدور حوله كأنها تعانقه، وأحس – لأول مرة منذ زمنٍ بعيد – وكأنما الدنيا تصغى إلى حزنه، وشعر أنه ليس وحيدًا تمامًا، وكأنما سمعت الشمس والنجوم والقمر نجواه

    وظل يعبر الطرقات كل صباح، لكنه لم يعد يخفي ابتسامته، فقد عرف الكون سره
    فهو لم يكن حاملا زُهوره إلى لا أحد
    بل حاملها إلى الغياب الذي يتحمل وطأته.. وحيدًا
    وإلى الذكرى التى تسكنه وقد تعود ألمها.. صابرا

    وتعود الناس، إن مرّوا بالجسر عند الفجر، أن يروا زهرة بيضاء وحيدة تطفو بعيدًا
    كأن أحدًا لم يتركها
    و .. كأن أحدًا لا ينتظرها

  • بعيد أنت يا قمرى

    يزورني ضياك دومآ فأقدم له مجلسين

    أحدهما روحى، وثانيهما قلبى

    رغم أنك

  • سجون وحرية

    واصبحت غرفنا هي السجون التي ندخلها طوعاً لنجد الحريّة فى احلامنا
  • لا يكرم نبى فى وطنه

    وبعد أن وجدت الخذلان من الجميع

    لم يؤمن بى أحد إلا أنت

  • أغنية لك – أو – أنا لك على طول

    إعادة كتابة السماء

    (المقطع الأول)
    أنتَ تعلم… أنني إليك أميل
    وأن الحنينَ ليس سرًّا
    بل إن نجمةٌ السماء تفضحني كلَّ ليلة
    وتُضيء اسمك على وجنتي

    (المقطع الثاني)
    وأنا أعلمُ أنكَ تسمعُ النداء
    ذاك الرجْعُ المختبئُ في ضلوعي
    لكننا نحتمي بالقيود
    كمن يخافُ ضوءَه فيحترق

    (الكورس)
    دعنا نعيدُ ترتيبَ السماء
    نبدّلُ مصائرَ النجوم
    نكتبُ على ليلِها: كن لنا
    فربما يتنفّسُ الكونُ حبَّنا

    (المقطع الثالث)
    تقولُ إن الفلكَ دارَ ضدَّنا
    وأنَّ المسافاتِ حكمٌ من القدر
    لكن ما للقلوبِ بالخرائط؟
    أنتَ فيَّ… كوشمٍ من نورٍ لا يُمحى

    (الكورس)
    دعنا نعيدُ ترتيبَ السماء
    نبدّلُ مصائرَ النجوم
    نكتبُ على ليلِها: كن لنا
    فربما يتنفّسُ الكونُ حبَّنا

    (الجسر الموسيقي)
    بيننا جبالٌ من وهم
    وأبوابٌ لا تُفتحُ إلا للخيال
    وفي الداخلِ نحنُ فقط
    لكنَّ الحلمَ… ينهارُ في الصباح

    (المقطع الرابع)
    من يقدرُ أن يُغيّرَ نجمًا؟
    من يقولُ: هذا لكِ، وهذا لي؟
    كلُّ شيءٍ يفرقنا
    إلا لحظةٌ… ينسى فيها الزمنُ نفسه

    (الكورس الأخير)
    أريدُ أن أطيرَ معكِ
    أن أسقطَ فيكِ
    أن أختبرَ المستحيلَ بيدكِ
    أعطني الحلمَ كلَّه
    وسأمنحكِ العمر من جديد

    (الختام)
    فلنُعد رسمَ السماء
    قولي إنكِ خُلقتِ لتكوني لي
    تعلمين أني أحبكِ
    لكن يديّ… مقيدتان بالقدر
    ورغمَ ذلك
    سأظل أحبكِ، حتى يفنى آخر نجمٍ في السماء.. وسأظل أغنيك

    ابعت لى سلام قول أى كلام

    من قلبك او من ورا قلبك

    مش يبقى حرام اسهر وتنام

    و تفوتنى اقاسى نار حبك

    انا لك على طول خليك ليا

    خد عين منى وطل عليا

    و خد الاتنين واسأل فيا

    من اول يوم راح منى النوم

  • وفاء

    في داخلي جروح
    لم يمسسها الشفاء
    جروح تفتحت بصمت في قاع الروح
    حتى ظننتُ أن حتى مجرد محاولة النجاة أو مداهنة الحياة
    إنما هي شكل آخر من أشكال الموت

    سنوات طويلة
    لم ينادِيني فيها أحد سوى ظلامي
    يحتضنني كقيد ويطالب بي
    وأصبح ملكا له وأنا فى أضعف حالاتى

    ثم جاءت هى
    لا كمعجزة ولا كخلاص
    بل كعين بريئة تبصر ما توارى بداخلى
    كضوء هادئ يمر عبر الشقوق
    دون أن يغلقها

    رأتني كما أنا
    بكل كسري، بكل عتمتي
    ولم تتراجع أبدًا
    بل نظرت إلي
    كأن تحت أنقاضي
    نسخة أقدم، أصدق
    نسخة لم أعد أعرف أنا طريقها

    ويا لغرابة ذلك
    كم فاجئنى أن يلمسني نور، لا يحرق
    بل يدفئ ويحيى ما اعتقدته ميتًا

    لم أُشف بعد، ولا أدعي
    فالظلام يعود أحيانًا
    كشبح يعرف الطريق إلى صدري
    لكن حين يفعل
    أشعر بيدها .. رغم البعد .. ثابتة، رقيقة
    تعيدني إلى ذلك الرجل
    الذي آمنت هى أنني أستطيع أن أكونه

    لم أعد كاملًا
    ولم أعد حتى أشعر بالأمان مع نفسى
    لكننى أحاول آن أظل أقوى، وأهدأ
    وأقرب إلى نفسي
    منذ أن رأتني

    ومن أجلها
    سأنهض دائمًا .. ليس طاعة لها فحسب .. بل امتنانًا لنور، كان هو أول نور رغبتُ أن أتبعه يومًا .. وسأظل أتبعه

    فمعها.. وحدها.. ألف قلبى إيلافها، وعرف طعم عنب الشام وبلح اليمن في رحلتى شتائى وصيفى، وهدأت روعى من الكسوة التى أحاطتنى

    وعبدت رب هذا البيت الذى أطعمنى من جوع، وآمنى من خوف

  • الغياب

    انت دائما معى

    حتى وإن كنا .. كلاً منا .. وحيدا بمفرده

    نحن وحيدان معا

  • اللقاء الثانى

    نسير خطواتنا حلما، والواقع في سبات

  • ألفة قديمة


    الحُب لا يأتي جديدا أبدًا
    إنه يعود

    هناك لحظات
    لا يولد فيها الحب من جديد
    بل ينهض ككائنٍ يعرف طريقه
    قادمًا من زمنٍ لم نعشه
    لكن قلوبنا تذكره
    قشعريرةٌ تمرّ في العمود الفقري
    ورعشةٌ تختبئ بين الضلوع
    كأن حقيقةً ظلت نائمة طويلًا
    قد فتحت عينيها أخيرًا
    وهمست: لقد التقيتُك من قبل

    يشتدّ عمق الليل من حولي
    كلما فكّرت فيها – لا خوفًا
    بل بسكونٍ يشبه قدسية المعابد
    حين تستعيد صلاتها الأولى
    فحضورها يبدو أقدم من اسمها
    أقدم من الكلمات التي تنطق بها
    وأقدم حتى من نبضي
    فقلبي، مذ عرفتها
    يردد صداها دون أن يدري

    وعندما التقت أعيننا
    لم تكن شرارةً عابرة
    بل تذكّرًا – كومضتين خرجتا من نفس البوتقة
    تفرقا دهورًا
    ثم التقيا فجأة
    تحت نورٍ واحد
    بعد رحلاتٍ لا تُحصى

    شعرتُ بتلك اللحظة – انهيار المسافة
    الجذب الخفيف الذي يشدّ الروح من عمقها
    ذلك اليقين الهادئ
    بأننا، ذات زمنٍ مضى
    نُحِتنا معًا من نفس الطين
    ثم تشتتنا بين العوالم
    لنعود ونتعرّف من جديد

    وها نحن
    نلتقي في حياةٍ هشّة
    كأن خيطًا نُسِج قبل ولادتنا
    كان يقود خطواتنا بصبر رقيق

    إن روحها تلامس روحي
    كألفةٍ قديمة
    رفيقٌ غير مرئي
    رافقني في كل عزلة
    وفي كل حياة
    لم أعرف فيها اسمه
    لكن قلبي بقي يجيبه

    إنها السطر الناقص
    من قصيدةٍ أحاول كتابتها
    في كل عمرٍ عشته بدونها
    وحين تنطق شفتاى اسمها
    لا يبدو جديدًا – بل يبدو وكأنه يعود إلى ذاكرة
    أعمق من حياتي

    لا أطالب بها
    أنا فقط أتعرّف عليها
    وهي، بصمتها الرقيق
    تتعرف عليّ – لا على الرجل الذي أقف عليه الآن
    بل على الروح التي حملت حبها
    عبر الخراب
    عبر الليل
    عبر الموت
    وعادت مرةً أخرى
    إلى هذه اللحظة المرتجفة
    لتلتقي بها

    إن كان الحب مطاردة
    فليكن هذا النوع منه – روحان قديمتان
    تعودان أخيرًا إلى بعضهما
    في ومضةٍ عابرة
    من عالمٍ فانٍ
    وتعرفان، بلا أدنى ارتباك
    أنهما كانتا
    دائمًا وأبدًا
    مقدرًا لهما
    العودة

Design a site like this with WordPress.com
Get started