فى ليلة شتاء وجدها
ثالث شجرة قبل النفق وجدها
واحدة من أشجار (أم الشعور) القائمة على جسر النيل عند نهاية شارع قصر العينى
كان قد طفش
مرة أخرى طفش
جرب عربات القطار القديمة المركونة صدئة على القضبان لا تستعمل
وجرب أسفل عربات النقل والفجوات الكائنة فى سور فم الخليج والمقابر والخرائب وحظائر المواشى، وأشياء، وأماكن كثيرة جربها، وكان البشر يطاردونه، كما يطارد الكلب المسعور أو الأجرب
كان طفش
منذ أن طرده زوج أمه وهو يطفش
كان يحب أمه، وكانت أمه تحبه، وأبداً لم ير أباه، إلى أن جاء ذلك الرجل وبدأت أمه تبدو ضعيفة لا حول لها ولا قوة أمامه
هكذا أحس وظل يحس، كل يوم قلب أمه عنه يتباعد وناحية الرجل ونزواته العارمة يقترب ويتشكل ويستجيب ……… حتى صحا يوماً فوجد الرجل قد أخذ أمه تماماً مثلما أخذ الموت أباه. وحين أثمر الزواج الجديد طفلاً .. أدرك أن الشعرة التى كانت تربطه بذلك البيت (الحجرة) قد انقطعت وأجبره الرجل على ترك المدرسة والعمل كصبى نجار . واستغاث بالأم مستنجداً، ولم يفاجأ أبداً وهى تصيح فيه صارخة طالبة منه أن يخرس حتى لا يوقظ الرضيع. ومالها النجارة؟! على الأقل تعلمك يا ابن الكلب حرفة. ابن الكلب يا أمى. أصبح أبى هو الكلب … دامع العين قبل … ولكن النجار كان قاسياً وكان هو كثير السرحان والتوهان، وبالشاكوش أحياناً وبفردة القبقاب ومعه أقبح الشتائم كان يضربه
وطفش
صاحب أولاداً من جامعى الأعقاب والمتسولين، وعمل صبياً فى محلات
ومرة أخرى طفش
……………………..
المشكلة فى الليل والمأوى
وفى ليلة شتاء وجدها ..
الشجرة جذعها من جذور ولهذا يسمونها (أم الشعور) فجذورها فى الهواء، تلتحم معاً وتجف ملتحمة وتصنع ساقاً وجذعاً، تتولى عشرات السنين تضخيمه وتكبيره ليتحمل عبء الشجرة المهول. ولأن ساقها جذور متلاصقة فهى لا تكون جذعاً مستديراً مصمتاً، ولكن يظل فى الجذع فجوات هى تلك المسافات التى كانت تفصل الجذور. فجوات كبيرة وصغيرة، مفتوحة من الناحيتين ومغلقة أحياناً صانعة عشاً مسقوفاً ذا فتحة واحدة
ذات ليلة، وهو سائر بائس ولكن غير باك، فحين يصبح البؤس هو القاعدة اليومية الليلية التى لا تتغير لا يعود الانسان يبكى بؤساً، فالبكاء، يجىء أملاً فى حل أو استدراراً لأمل، أو رجاء إلى الذى خلقنا أن يهدينا للحل أو بالحل ويريحنا ولو ساعة من ألم مستمر أضاع منا حتى الاحساس بالألم
كان الليل قد بدأ يمطر، ثم بغزارة راحت السماء تصب سيولاً تفرغ الشوارع من الناس والدنيا من الونس وتخلق فى النفس شعوراً قوياً بالخوف
ولجأ إلى الشجرة يحتمى من السيول التى بللته حتى وصلت لنخاع عظمه، وعلى الضوء القادم من عامود نور ساطع الضوء، رأى الفتحة واقترب، وبعينيه راح يتفحصها واستغرب حين وجد لها عمقاً وكأنها كهف
دخل
وكأنه إلى سرداب سعادة دخل. فمجرد إحساسه أن قذائف الأمطار وسياخها المائية قد كفت عن الدق فوق رأسه واختراق أسماله، وأنه قد أصبح فى مأمن، مجرد إحساسه بهذا، فرحة كبرى غمرته، وكأنه الصعلوك قد أهدته السماء قصراً من عجب
………………………….
ومن فرط سعادته راح يقاوم الخدر الذى بدأ يدب فى جسده ويقوده إذا استسلم إلى نوم ما ذاقه فى عمره أبداً. إنه هنا ليس فى ملك أحد كى يطارده أحد، وليس قريباً من مخزن أو دكان ليأخذوه بالشبهة، ولا عسكرى يستطيع أن يراه ولا أنس ولا جن أو بشر. راح يقاوم حتى يستمتع بشىء حرم منه على الدوام منذ أن كان له بيت وكان له أب وكانت له أم حنون يجد فى حضنها الأمان والدفء والحماية من كل شرور البشر
يقاوم الخدر المؤدى حتماً إلى النوم. بإرادته يقاوم ومعه البرد الشديد يساعده، وكلما أحس بالدنيا خارج الكهف ترعد وتبرق والمطر بإلحاح ينهمر، وأحس بنفسه محمياً بالشجرة العجوز وحضنها عن هذا كله، كما أحس بشعور الناجى من غرق، المحمى فى قلعة حصينة، حولها وحوش الدنيا كلها تعوى وتتلمظ، وهو يخرج لها لسانه اطمئناناً وتأكداً أن أنيابها تماماً بعيدة عنه وأن زئيرها، زئير العاجز أن يناله، وأن الدنيا أمان مبطنة بالقطيفة، وقطيفتها الزغبية النباتية أصبحت تحنو عليه، ويسرى إليه منها دفء لا يعرف مصدره
وصحا
فى الضحى صحا
ظل يحدق طويلاً من خلال فتحة الشجرة إلى المارة والعربات ويجتر نصف نائم، عمره كله، حتى يتذكر اللحظة التى دلف فيها إلى مثواه الجديد ذاك. وعمره كله كوم وليلة الأمس وحدها كومة أخرى وثمة فاصل حاد باتر بينهما
…………………………………………….
أحس، قرب الفجر أن ثمة دفئاً ما قد بدأ يشمله ….. يحس بالدفء ملموساً لا يعرف مصدره، فقط حين – بحكم العادة – ملس على جدار الشجرة الداخلى، أحس أن الحرارة تنبعث منه. وخاف، حتى كادت الرعشة، رعشة الرعب من هذا الدفء الغريب المجهول، تعاوده
لابد أنه خرف أو بدأ يخرف، فقد لمعت فى ذهنه الطفولى فكرة أن الشجرة العجوز قد بدأت تدفئه، وتفعل مثلما تفعل أى أم حين ينكمش ابنها فى حضنها وتحس أنه بردان، فتدفئه .. وتخريف أو لا تخريف، أعجبه الخاطر تماماً واستراح حتى كفت أسنانه عن اصطكاكها، وأطرافه عن الرعشة، ووضع رقبته تحت ذقنه ثم دفن رقبته بين ساقيه وكأنه يتخذ وضع الوليد فى بطن أمه
ونام
وكما انتمى للشجرة تماماً وأصبحت ملجأه وملاذه من العالم الخارجى الشرير، حتى أصبح يأوى إليها فى عز النهار هرباً من القيظ حين جاء الربيع وجاء معه الحر، فوجىء ذات يوم وكأن الشجرة كانت ضائعة هى الأخرى، وبلا قريب مثله، وبدا كما لو كانت فجوتها تتحور لتأخذ شكل جسده، بل فوجىء ذات يوم بعرق داخلى منها يبرز ويمتد إلى الخارج من فتحتها ويواليه بالطبطبة وبالسقيا حتى لفى أسابيع قليلة يكبر ويكاد يملأ فتحة الفجوة ويصنع لها باباً يكاد يخفى الفتحة، بحيث لم يعد يعرف مكانها سواه
ودون أن يدرك هو ما يحدث، وبالطبع دون أن تدرك الشجرة، بدأت علاقة أكبر من مجرد الانتماء، والحنان المتبادل، والبرودة تغمره بها صيفاً، والدفء تغطيه به شتاء
أحبها أكثر مما أحب أمه، لقد كانت الحضن والبيت والظليلة والعائلة وكل ما يمت إليه فى الدنيا
ولا يدرى كم من الزمن مضى، عام أو عشرة أعوام، فالزمن كان قد توقف به عند اللحظة التى اكتشف فيها أم الشعور، تلك التى دبت الحياة فى كل أنحائها تماماً واخضر كل مكان متخشب فيها، ورغم أنه قد وفق إلى صنعة وأصبح صبياً فى محل دوكو، ويكسب، إلا أنه لم يستطع أن ينتزع نفسه منها، ومن جوفها الحضن
ولكن شيئاً فشيئاً بدأ يحس أن الفجوة تضيق عليه، إذ كان – دون أن يلحظ – قد كبر، وكبرت معه سيقانه وأذرعه حتى جاء اليوم الذى لم يعد يقدر أن يحشر نفسه داخلها
وهكذا الدنيا، فقد كان عليه ذات يوم أن يجمع حوائجه التى خبأها فى ثنايات فجوتها، ويودع الخن الذى أصبح من الداخل أخضر كله، ويذهب ليقاسم زميله فى المحل، وصديقه، الحجرة فوق السطح التى كان يقطنها الصديق وحده
وليال طويلة قضاها لا يعرف كيف ينام على فراش وهو الذى تعود على حضنها الحى، وعلى وضعه الجنبى المريح داخلها
ولكن الأيام تمضى، ويتعود الرقاد فوق فراش، ويقارب سن البلوغ … ويلهيه العمل الشاق طوال النهار والسهر الطويل مع الصحاب والشلة حتى نسيها، بل نسى الشارع كله وقد انتقل بعمله وسكناه إلى شبرا
وذات يوم أرسله الأسطى فى مشوار لفم الخليج
وفجأة وجد نفسه يقفز من الأوتوبيس عند نهاية قصر العينى، ويسرع إليها مشدوهاً يرقبها
كانت أوراقها الخضراء كلها قد جفت وأغصانها الجديدة والقديمة تخشبت وبابها النباتى اندثر
كما لو كانت قد ماتت
وأحس بغصة ما قبل البكاء
وبكى
أمه